الاثنين 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2014

نحو مشروع ثقافي لمواجهة التطرف

الاثنين 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2014 par د. عبد الاله بلقزيز

جفيف الينابيع الاجتماعية للجماعات المسلحة الإرهابية، من طريق فك ارتباطها ببيئاتها الحاضنة، مما لا مهرب منه من أجل تحجيم قدرتها على الانتشار والبقاء . لكن ذلك - في أحسن أحواله - سيأتي عليها بالإضعاف، ولن يكون من شأنه استئصالها أو إلحاق الهزيمة بها، ذلك أن المعركة الأكبر، والأطول زمناً، مع هذه الجماعات، بل الأشد تأثيراً فيها وإيذاءً لها، هي المعركة الفكرية: المعركة التي تتغيا تجفيف الينابيع الفكرية لتلك الحركات . وليست هذه سوى نسف المنطلقات "الفكرية" التي تصدر عنها تلك الحركات، وبيان تهافتها وبرانيتها عن تعاليم الإسلام الذي تزعم النطق باسمه، أو التمثيل الصحيح له، ومخاطبة جمهور المسلمين - المرشح للسقوط في شرانق أحابيل أزعومات الحركات "الجهادية" - بما يعيد بناء قواعد عقيدة الإسلام وشرائعه في وعيه بناءً صحيحاً وسليماً . وهذه مهمة طويلة المدى وشاقة، كما يعلم الجميع، وتستدعي شبكة واسعة من الفاعلين: الرسميين والشعبيين: أفراداً ومؤسسات .
منطلقنا، هنا، أن حركات "جهادية" تكفيرية، من نوع تنظيم "داعش"، ما كان لها أن تنشأ وتنمو إلا لأن بيئة فكرية وثقافية تهيأت لها، وأوسعت لها المساحات والأبواب، وأن نقد تلك البيئة ونقضها مما يفرض نفسه مسلكاً لمواجهة زحف الأفكار الشاذة التي تروجها حركات من هذا النوع في أوساط الجمهور الذي تخاطبه . علينا أن نقول هنا، أيضاً، إننا لسنا من أنصار الرأي الدارج عن ارتباط هذه الفصيلة من التنظيمات المتطرفة بالإمبريالية والصهيونية ارتباط وجود . نعم، نفهم أن يقال إنها قد تكون برسم الخدمة للسياسات الإمبريالية والصهيونية، كما هي حالها اليوم في الساحتين السورية والعراقية، وإنها جاهزة لأن تقدّم مثل هذه السُّخرة السياسية مقابل أن تحظى بالغطاء والدعم، لكننا لا نشاطر القائلين قولهم إنها صناعة أمريكية، أو غربية، أو صهيونية، ليس حفاظاً لها على استقلالية ما، ولكن اعترافاً بأن بيئتنا الثقافية والفكرية هي التي أنتجت هذه الكائنات السياسية الشاذة .
نعم، خرجت هذه الحركات المتطرفة، والمنغلقة، من بيئتنا الثقافية والدينية والتعليمية، تعلّمت في مدارسنا المحكومة بنظام تعليمي متخلف: منغلق على النصوص واليقينيات، وعلى ثقافة الشروح والحواشي والمختصرات، وتقاليد إنكار الرأي المخالف وتبديعه، أو تفسيقه وتكفيره، وعَدّ كل ذي رأي ضالاً يحق فيه الحد . إنها المدارس التي ترفع الحديث النبوي إلى مقام القرآن الكريم، أو يصبح فيها النص القرآني مصدراً ثانياً بعد الحديث، وتتحول فيها فتوى فقهية لفقيه من العهد الكلاسيكي إلى نص ألْزَم للمسلمين من نص القرآن! إنها المدارس التي يتربى فيها المتلقي، منذ الصغر، على مفردات التكفير وإنكار الرأي والاجتهاد، وإخراج المذاهب الإسلامية كافة - من غير مذهبه - من حومة الإسلام! والتي يتلقن فيها عقيدة القتال: قتال "المبتدعة" و"الروافض" و"الكفّار" من المسلمين وأهل الكتاب الآخرين! ولا يكون المتعلّم فيها قد بلغ سن الرشد حتى يكون قد تلقى التأهيل الكافي ليتحول إلى متفجرة .
لقد أُنفقت أموال طائلة، منذ عقود، من أجل إقامة ونشر هذه المنظومة التعليمية المتخلفة والمنغلقة، في بلاد عربية عدة، قصد تحجيم المدرسة الوطنية الحديثة، التي تكونت فيها أجيال من الوطنيين، والقوميين، واليساريين، والليبراليين، والمثقفين المتنورين، والمواطنين الصالحين .
والهدف تصنيع جيل جديد باسم حمل رسالة الإسلام، من جديد، لنشرها في مجتمعات العرب والمسلمين وفي المهاجر وترافق ذلك مع تشجيع جماعات إسلامية عدة على إحداث مؤسساتها "الدينية" والدعوية في أصقاع مختلفة، وعلى نشر أفكار واعتقادات مذاهب بعينها، بما هي "الإسلام الصحيح"، المقتدي بالسنن والسلف .
وما وقف الأمر عند حد تصنيع جيل جديد، وتأهيل وعيه بهذه المنظومة من الأفكار المغلقة، وإنما مكن من تجربة الاختبار في أفغانستان، إبان التدخل العسكري فيها في ثمانينات القرن الماضي، ووفرت لرحلته "الجهادية" الظروف المناسبة، وعد في جملة "أبطال الحرية"، ومع أن عودة من عرفوا باسم "الأفغان العرب" إلى ديارهم اقترنت بنقل معركتهم إلى تلك الديار، في موجات متلاحقة من أعمال التفجير، طالت مجتمعات عربية عدة، وفي تجربة من الحرب الأهلية مريرة - طيلة عقد التسعينات - في الجزائر، ومع أن هؤلاء "الجهاديين" انقلبوا على أولياء نعمتهم الأمريكيين، بمثل ما انقلبوا على مجتمعاتهم ودولهم، فضربوا الولايات المتحدة في عقر دارها، وفي عمقها المالي والتجاري . . إلا أن أحداً من رعاة هذه الجماعات، ومن مسخريها لخدمة سياساتهم، لم يتعظ بدروس الماضي، وأولها استحالة ترويض وحش الإرهاب، فاستأنف سيرته في التعامل مع هذه الجماعات وإطلاق يدها، في بعض البلاد العربية، تعيث فيها فساداً، وتعمل فيها قتلاً وتدميراً . وما كانت الاستفاقة قد حصلت، وارتفع معدّل الشعور بالمخافة من زحف هذه الجماعات خارج النطاقات المرسومة لها، إلا "بعد خراب البصرة"!
ما العمل لكف غائلة هذا التحجر الفكري والتطرّف الديني الذي تنهل منه هذه الجماعات تعاليمها وخطَّها السياسي - القتالي؟
من النافل القول إن مواجهته تقتضي صوغ استراتيجية عمل ثقافية - دينية - تعليمية شاملة مصروفة إلى تجفيف ينابيعه الثقافية . وهذه استراتيجية ينبغي التداعي إلى البحث فيها، وإطلاقها، وتنفيذها من قبل شركاء كثر: رجال التربية والتكوين، المثقفين والأكاديميين، علماء الدين المجتهدين، صنّاع القرار، رجال الصحافة والإعلام . . إلخ، وسيكون على مثل هذه الاستراتيجية أن تلْحظ مجموعة من الحاجات والأهداف:
- الحاجة إلى إعادة بناء منظومة تربوية - تعليمية تكرّس قيم التفكير الحر، والنقد، والاجتهاد، والنسبية في التفكير، والموضوعية في الأحكام، وقيم الحوار، والتسامح، والانفتاح على الآخر وثقافاته، والنظر العقلي التنويري في تاريخ الإسلام .
- إعادة تأهيل مؤسسات "الإسلام العالِم" الرسمية، من طريق تسخير الكفاءات العلمية الدينية، في دور الإفتاء، والمجالس العلمية، وإدخال المناهج الحديثة في المؤسسات التعليمية التابعة لها، ضمن أفق إعادة هيكلة الحقل الديني .
- إطلاق برنامج تنويري في وسائط الإعلام: المكتوبة والسمعية - البصرية، يشارك فيه الدارسون المختصون في المسألة الدينية وتراث الإسلام .
وما أغنانا عن الحاجة إلى القول إن تنفيذ هذا كله سيأخذ زمناً طويلاً .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 49 / 566682

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عبدالإله بلقزيز   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010