الجمعة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2014

أوروبا: إنقاذ إسرائيل من مصيرها المحتوم

الجمعة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2014 par طلعت رميح

تتسارع خطوات الدول الأوروبية للاعتراف بدولة فلسطينية "مستقلة". السويد بدأت الحركة بخطوة بدا أنها مفاجئة وجريئة وغير مسبوقة، ثم دعمتها فرنسا على الفور، ودخلت بريطانيا على الخط حين صوت برلمانها بأغلبية ساحقة لمصلحة الاعتراف بتلك الدولة. وكل ذلك خلال أسبوعين، وبذلك انحازت أهم دول أوروبا للفكرة والرؤية التي تنشد حل الدولتين، وهو ما يعني أن كثيرا من الدول الأوروبية الأخرى قادمة على ذات الطريق. وهنا يبدو مهما القول، بأن الأساس الذي تتحرك أوروبا على خطوطه هو أن المفاوضات التي تقودها وتسيطر عليها الولايات المتحدة-منفردة- لنحو 22 عاما لم تفض إلى حل الدولتين المتفق عليه عند انطلاقها، وتلك إشارة أوروبية لفشل الخطة والدور الأمريكي، ومحاولة للسير في مسار آخر بديل تقوده أوروبا.
ما الذي يجري؟ هل نحن أمام يقظة ضمير أوروبية تدفع أوروبا لهذا التعاطف مع الشعب الفلسطيني وقضيته؟ أم أننا أمام محاولة إنقاذ إسرائيل من نفسها ومن مصيرها المحتوم؟
واقع الحال أن قرارات الدول في سياستها الخارجية لا علاقة لها لا بالضمير ولا الأخلاق ولا حتى بالقوانين والمبادئ الدولية أو الإنسانية المدعاة، وإنما هي ترجمة لمصالح الدول ولخططها الإستراتيجية المعتمدة لتحقيق تلك المصالح. كما أننا تعودنا دوما في منطقتنا، على لعبة صارت تقليدية الآن، إذ تطرح مبادرات سياسية غربية تجاه القضية الفلسطينية تحديدا، حال بدء أعمال الحرب ضد أي من الدول العربية، وبعد أن تنتهي الحرب نكتشف أننا عشنا حالة مناورة هدفها التأثير على الرأي العام وإعطاء فرصة للحكومات العربية لتبرير مشاركتها في الحرب على غيرها من العرب تحت غطاء التحرك الغربي لحل القضية الفلسطينية. كان مؤتمر مدريد وعملية أوسلو وكل تبعاتهما، أحد تجليات المبادرات الغربية خلال مرحلة الحرب على العراق –فيما سمي بمسألة الربط بين القضية الفلسطينية والنزاعات والحروب الأخرى –ولذا ليس من المصادفة أن تأتي التطورات الحالية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، مرتبطة بالحرب الشاملة التي تجري الآن في سوريا والعراق تحت مسمى الحرب على الإرهاب.
لكن الأمر الآن مختلف حقا، فنحن لسنا أمام الألاعيب الأمريكية التي لا تفضي إلى شيء، بل نحن أمام قرارات وتوجه عملي بالاعتراف بالدولة التي ترفض الولايات المتحدة ميلادها إلا عبر المفاوضات التي لا بدورها لا تنتج شيئا –لمصلحة القضية الفلسطينية بل هي غطاء خداعي يمكن إسرائيل من إنفاذ مخططاتها-وكلما توقفت ضغطت لأجل استمرارها. نحن أمام تطور حقيقي ومهم يظهر مغزاه من ردة الفعل شديدة الغضب في إسرائيل. ونحن أمام قفز على لعبة المفاوضات العبثية، وكذا يبدو التوقيت مهما، إذ تأتي تلك المبادرة الأوروبية بالارتباط مع أعمال التدمير والقتل والإبادة التي جرت في غزة ووضعت الحكومات الغربية في موضع شديد الحرج، خاصة بعدما تصاعد الوعي والغضب لدى الرأي العام الأوروبي بشأن القضية الفلسطينية.
لكن كل تلك الأمور لا تشجع أحدا على اعتبارها جوهر أسباب التحول المتنامي في المواقف الأوروبية من القضية الفلسطينية، في ضوء تجارب أمتنا مع أوروبا والغرب عموما، إذ أعمال الاحتلال والقتل والمذابح التي جرت ولا تزال تجري بأيدي جيوشهم في بلاد عربية وإسلامية، دون وازع من ضمير أو احترام القانون الدولي والإنساني، تظهر جوهر السياسة الغربية تجاه كل قضايانا.
أوروبا تحاول إنقاذ مشروعها الاستيطاني في فلسطين من الانهيار، إذ التقارير الإستراتيجية الغربية – مراكز الأبحاث والاستخبارات - باتت ترى إسرائيل مهددة بالانهيار والزوال في حال استمرار الوضع الراهن، ولأسباب متعددة، بعضها يعود للانقلاب الديموغرافي المتنامي في فلسطين إذ يزيد عدد السكان العرب داخل الأرض المحتلة على عدد اليهود. وبعضها يعود لتصاعد حالات الهجرة من إسرائيل للخارج رعبا وخوفا. وبعضها يتعلق بنمو التطرف الديني وصعوده بالتدريج لقيادة إسرائيل بما ينبئ بكوارث على أوروبا لا العرب فقط. والأهم أن أوروبا تدرك الآن وأكثر من كل وقت مضى أن المقاومة الفلسطينية قطعت شوطا كبيرا في تهديد قدرة إسرائيل على البقاء.
أوروبا تتدخل لإيقاف الولد الإسرائيلي المجنون بهدف إنقاذه من مصير بات محتوما. وأوروبا تحاول استثمار الضعف العربي الراهن لتمرير قيام دويلة فلسطينية مسلوبة القوة والإرادة وتحت الهيمنة الإسرائيلية، لتحقق فصل العرب "الأكثرية" في أضيق مساحة أرض حتى لا ينتج الانقلاب الديموغرافي أنها للمشروع الإسرائيلي. وهي تتطلع إلى حشر المقاومة في فكرة الدولة المعترف بها –على ضالتها –بما يسقط شعاراتها حول التحرير الكامل، وإلا دخلت المقاومة في مواجهة مع النظام الدولي.
أوروبا تنقذ إسرائيل، وتنقذ نفسها من عودة اليهود إليها مجددا!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 14 / 565740

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010