الثلاثاء 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2014

فقاعة أميركية جديدة في مؤتمر غزة

الثلاثاء 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2014 par د.احمد جميل عزم

كنتُ أهبط طريق "وادي النار" الواصلة بين بيت لحم وشمال الضفة الغربية -وهي طريق اضطرارية، كانت أصلا طريقا ترابية وعرة، وبعضها كان ممرا للرعاة والمواشي أكثر منه للسيارات. وهي متعرجة بشكل "كابوسي"، اضطر له الفلسطينيون منذ مطلع التسعينيات عندما بدأ إغلاق القدس في وجههم، ولم يعد ممكنا المرور من هناك- فأوقفني عامل فلسطيني شاب. وبإشارة من يده أخبرني بلغة لا تخلو من فوقية: "بدّي تهدي السرعة". وأعطاني ورقة نظرت فيها، فوجدت مكتوبا: "هذا الطريق هدية من الشعب الأميركي (USAID)". ألقيتها بجانبي غاضباً، فالطريق وتعرجاتها وانحداراتها وحواجزها الإسرائيلية، سبب إضافي للغضب، يضاف لافتقادي المرور في القدس بجانب الكنائس والمساجد والبيوت العتيقة. وأمس وأنا أتابع اجتماع المانحين لإعادة الإعمار في غزة، وجدت أنّ الأمر يتكرر.
إذ قررت الولايات المتحدة دفع نحو 75 مليون دولار من التكاليف المقترحة لإعادة الإعمار في قطاع غزة، أي نحو
1.4 % من المبلغ المطلوب. فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أنّ بلاده ستدفع 220 مليون دولار، منها 145 لميزانية السلطة. وعمليا، يمكن القول إنّ الولايات المتحدة تكاد لا تكون ساهمت بشيء؛ ليس فقط لهزالة المبلغ، ولكن لأنّ السلطة الفلسطينية بكل الأحوال تنفق جزءا كبيرا من ميزانيتها في غزة؛ فإذا كانت هناك مساعدة قيمتها 220 مليونا، فإنّه ومن دون أن يقرر الأميركيون كيف تنفق، سوف يذهب جزء كبير منها لغزة، باعتبارها جزءا أساسيا من الوطن الفلسطيني، وهذا المبلغ جزء من مبالغ مقرة قبل الحرب، هو 400 مليون دولار.
تلقت إسرائيل في العام 2012 مساعدة عسكرية من الولايات المتحدة بقيمة 3.1 مليار دولار. وإسرائيل "الصغيرة" تلقت مساعدات أميركية عسكرية أكثر من أي دولة في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، بمبلغ تراكمي تجاوز 121 مليار دولار، بحسب تقرير حديث صدر عن الكونغرس الأميركي. هذا عدا المساعدات الاقتصادية والتبرعات الخاصة، من أفراد ومؤسسات. ولإسرائيل ميزة أنّها تتلقى المساعدات عادة في أول 30 يوما من السنة المالية، بعكس آخرين (طبعا الفلسطينيون منهم) يتلقون المبالغ على دُفعات، وبالتالي تكون الدفعات خاضعة للمراجعة والتراجع دائماً، بحسب تغير الظرف السياسي. بل إنّ إدارة الرئيس جورج بوش الابن تعهّدت العام 2007، بحزمة مساعدات لإسرائيل مدتها 10 أعوام، أي هناك تطمينات سلفا بالمساعدات.
وفق هذا كله، تشكل واشنطن الداعم الأساسي للآلة العسكرية التي دمرت القطاع. ورغم تصريح وزير الخارجية كيري مجدداً، الأحد الماضي، بأنّ على الفلسطينيين والإسرائيليين القيام بتحرك سياسي مختلف، وقوله: "حان وقت إنهاء هذه الدورة (العنف) للأبد"؛ فإنّه اعتبر أنّ لإسرائيل "الحق في أن تقلق كثيراً من الصواريخ، والأنفاق، والأمن"، مُضيفاً: "وللفلسطينيين الحق في القلق بشأن حياتهم اليومية، وتوقهم المستقبلي للحصول على دولة".
توفر الولايات المتحدة مساعدات مباشرة ومسبقة للآلة العسكرية الإسرائيلية. وإسرائيل ترفض أي حل سياسي في المفاوضات الثنائية. وواشنطن توفر غطاءً لإسرائيل في المجتمع الدولي؛ فتمنع إدانتها وعقابها في الأمم المتحدة وغيرها. وبهذا، فإن أميركا تمول سلاح الدمار، وتمنع العقاب والإدانة والردع دوليّاً، وتسمح للإسرائيليين بالتهرب من تطبيق القانون الدولي، والقرارات الدولية، بما فيها التي وافقت واشنطن نفسها عليها. وكثير من مساعداتها، إن لم يكن كلها، لا تعدو كونها تمويلا لجزء يسير من متطلبات التعايش مع الاحتلال (أي تمويله)؛ سواءً بفتح طرق بديلة لما صادره وأغلقه ودمرّه الاحتلال (كحالة شارع وادي النار)، فضلا عن تمويل الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضمن الالتزام بشروط تخدم أمن الإسرائيليين والمستوطنين.
العام الماضي، أعلن كيري في البحر الميت، وبحماسة شديدة، عن خطة اقتصادية للاستثمار في الضفة الغربية، سيحشد تمويلها من دول أخرى. ورغم أنّ الخطة "مضحكة" لتواضع قيمتها، ومؤسفة لأنه لو لم يكن هناك احتلال لسهل على السياحة الفلسطينية وحدها الحصول على مبلغ أكبر (ومن لا يصدق فليعُد لأرقام السياحة في القدس وحدها قبل العام 1967)، فإنّ الخطة وكما كان متوقعاً تماما، كانت مجرد فقاعة، لم ينجم عنها شيء؛ ككل التحركات السياسية والاقتصادية الأميركية المتعلقة بفلسطين والفلسطينيين.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 14 / 581758

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع احمد جميل عزم   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010