السبت 20 أيلول (سبتمبر) 2014

غزة… ما الذي تغيَّر؟!

السبت 20 أيلول (سبتمبر) 2014 par عبداللطيف مهنا

لم يتغيَّر شيء عن ما كانت عليه الحال في غزة. أسابيع انقضت حتى الآن على اتفاق وقف إطلاق النار، أي توشك مهلة الشهر، الذي من المفترض أن تعقبها العودة لبحث المطلبين المؤجلين، إعادة فتح المطار، وبناء الميناء، من نهايتها. أما ما اتفق على المباشرة في تنفيذه فور إيقاف المعركة فلم ينفَّذ منه شيء حتى الآن. مظاهر الحصار ظلت على ما هي عليه، وسبل إعادة الإعمار المفترضة ظلت المعدومة، وفي ظل كل ما تعرَّضت له غزة من محرقة للبشر والحجر خلال الواحد والخمسين يومًا من آخر طبعة من الحروب العدوانية عليها فالحال الحياتية الراهنة فيها هي الأسوأ بما لا يقاس بسيئ حالها قبل الحرب وربما حتى خلالها. أي أن كل ما تم حتى الأن هو لا يعدو ما يتفق عمليًّا مع ما كان يريده المعتدون وينادون به، أي فرض معادلة “الهدوء مقابل الهدوء”، والتي لهم وحدهم حق خرقها وقتما يشاءون، وحتى هذه الحالة لا يبدو أنه سيتمسكون بها طويلًا، ومن مؤشرات ذلك، العودة للتضييق على الصيادين قرب الشاطئ واعتقالهم مع قواربهم، والكلام الذي يرددونه حول ترميم أنفاق المقاومة، ومواصلة تصنيع الصواريخ القادرة على ضرب تل أبيب، وعودة نشاطات تهريب السلاح عبر الأنفاق…الخ، أي كل ما من شأنه أن ينم عن تحضير على الطريقة الصهيونية للجولة القادمة من حرب لم ولن تتوقف ما دامت غزة ترفع راية المقاومة.
لكي نفهم كل هذا فلا مناص من استحضارنا لهدف صهيوني رئيس، كان سابقا للحرب وعلى رأس استهدافاتها، وظل مرفوعًا إبانها، ولم يسحب من التداول بعد أن اضطروا لإيقافها، بل ازداد أهميةً عندهم، وهو الآن بانتظار المفاوضات بالوساطة ليكون أساسًا لما سيطرحونه على طاولتها، أو إذا ما قيِّد لها أن تعقد، أو خرج الوسيط المصري عن صمته داعيًا طرفيها إلى حلبتها، وأسفرت فرضًا عن اتفاق لا يحقق لهم هذا الهدف أو قدرًا منه، فإنه سيظل هدفهم الاستراتيجي الدائم وبرسم شتى محاولات التنفيذ… إنه هدف نزع سلاح المقاومة، أو ما يعادل موضوعيًّا محاولة وضع اللمسة الخيرة لتصورهم لإنهاء الصراع، أو إتمام مسيرة تصفية القضية الفلسطينية.
بائن المماطلة الصهيونية لإبقاء الحال في غزة على ما هي عليه، والتملُّص الواضح من تنفيذ ما اتُّفق على المباشرة في تنفيذه قبل انتهاء مهلة العودة المفترضة إلى المفاوضات في القاهرة حول المؤجل بحثه الذي بات على وشك الأزوف، والصمت المصري مع استمرار إغلاق معبر رفح، ثم عودة رام الله المتسرِّعة لنبش أرشيف الإنقسام وإصرارها على بعث نفيره، إلى جانب تبريرات رئيس ما يفترض أنها حكومة “المصالحة” لعدم صرفه لرواتب موظفي غزة بتلقيه تحذيرات “من كل العالم” بمقاطعة حكومته لو قام بصرفها، كلها أمور تشي بنذر العودة للمربع الأول، أو لا تعني سوى ما يدفع إلى توقُّع اقتراب موعد استئناف الحرب.
ما يرجِّح ما ذهبنا إليه هو أن النوايا الصهيونية المشار إليها بداية، ثم فداحة الواقع الغزِّي الإنساني المثخن، لكن المتمسك بمنجزات صموده وفدائية مواجهته والمعتد بانتصار إرادته، لا يحتمل تصور عودته إلى مكابدة تجربة الحصار الإبادي الرهيبة التي فرضت عليه لثماني سنوات شنت عليه خلالها ثلاث حروب، بمعنى يستحيل عليه قبول ما هو الأقل من تنفيذ كامل متواضع مطالب الحد الأدنى المتوافق عليها فلسطينيًّا قبيل انعقاد مفاوضات القاهرة وإبانها، أو التي من المفترض أنه قد تم انتزاعها عبر الاتفاق على وقف النار الذي تمخَّض عنها.
والواقعان الدولي والعربي، كما لا يخفى على أحد، هما خير المشجِّع للصهاينة على ما هم بصدده، ويزيد من تحفيز عدوانيتهم راهن هذين الواقعين المهمومين فحسب بكيفية ومدى وشكل الالتحاق بركب اصطفافات ما يدعوه أوباما بـ”حروب الضرورة”، أو حربه إرهابه على الإرهاب، التي دشنها لمواجهة داعشية مواريث حروب سلفه بوش “الاستباقية”، أو مواصلة محدث الطبعة الأميركية منها… واقعان منشغلان الآن إلى أبعد حد بحسابات الربح والخسارة التي تقتضيها مسارعة التكيف مع نفير حرب عودة الانتداب إلى المنطقة وإعادة رسم حدودها من جديد، ومستحقات ما قد يترتب على وجوب الرقص على إيقاعات طبولها التي ما من يسمع الآن في المنطقة سوى قرعها.
لكنما أخطر ما يتهدد منجزات الدم الفلسطيني في غزة المقاومة هو ما بدا يأتيها من داخل البيت الفلسطيني ذاته، متمثلًا في انتعاش كوامن المساوماتية الأوسلوية المعادية أصلًا لكل ما يمت لثقافة المقاومة بصلة، والتي لا ترى في منجزاتها النضالية الأخيرة إلا خطرًا على وجودها ومصالحها، وفي أحسن الأحوال لا تنظر إليها إلا ما قد تتيحه لها من فرصةً تُقتنص لكي تصرف في بازار محاولاتها للعودة إلى سالف مسارها التفاوضي العبثي، والذي لم يشفها انسداده المزمن وكل ما جره من كوارث على القضية من لوثة حنينها البائس للعودة إلى نفقه… كل ما يريده الصهاينة الآن هو فرض الأنموذج الأوسلوي الأمني على غزة ونزع سلاح المقاومة. ربما هنا يكمن سر إطناب الداهية بيريز في تعداد مزايا رئيس السلطة واصفًا إياه بـ”الشريك الواضح”، وتشبيه “هاآرتس” لما أسمته “كتائب دايتون” في الضفة بـ”الفرقة البريطانية للجنرال كلوب” شرق الأردن في الخمسينيات، والتنويه بدورها في “منع نشوب انتفاضة فلسطينية ثالثة”…


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 17 / 574809

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع عبداللطيف مهنا   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010